ابن قيم الجوزية
607
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ولذلك قلوبهم معلقة به . وعند العارفين بالمسبّب . وكذلك الصناعة والقوة . فهذه الثلاثة : هي جهات الغنى عند الناس . وهي التي أشار إليها النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « إن الصدقة لا تحل لغني . ولا لذي مرّة سوي » وفي رواية « ولا لقوي مكتسب » وهو غنى بالشيء . فصاحبها غني بها . إذا سكنت نفسه إليها . وإن كان سكونه إلى ربه : فهو غني به . وكل ما سكنت النفس إليه فهي فقيرة إليه . وأما « مسالمة الحكم » فعلى نوعين : أحدهما : مسالمة الحكم الديني الأمري . وهي معانقته وموافقته . ضد محاربته . والثاني : مسالمة الحكم الكوني القدري ، الذي يجري عليه بغير اختياره ، ولا قدرة له على دفعه ، وهو غير مأمور بدفعه . وفي مسالمة الحكم نكتة لا بد منها . وهي تجريد إضافته ونسبته إلى من صدر عنه ، بحيث لا ينسبه إلى غيره . وهذا يتضمن توحيد الربوبية في مسالمة الحكم الكوني . وتوحيد الإلهية في مسالمة الحكم الديني . وهما حقيقة « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . وأما « الخلاص من الخصومة » . فإنما يحمد منه : الخلاص من الخصومة بنفسه لنفسه . وأما إذا خاصم باللّه وللّه : فهذا من كمال العبودية . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول في استفتاحه « اللهم لك أسلمت وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت » . قال « الدرجة الثانية : غنى النفس . وهو استقامتها على المرغوب . وسلامتها من الحظوظ . وبراءتها من المراءاة » . جعل الشيخ : غنى النفس فوق غنى القلب . ومعلوم : أن أمور القلب أكمل وأقوى من أمور النفس . لكن في هذا الترتيب نكتة لطيفة . وهي أن النفس من جند القلب ورعيته . وهي من أشد جنده خلافا عليه ، وشقاقا له . ومن قبلها تتشوش عليه المملكة . ويدخل عليه الداخل . فإذا حصل له كمال بالغنى : لم يتم له إلا بغناها أيضا . فإنها متى كانت فقيرة عاد حكم فقرها عليه . وتشوش عليه غناه . فكان غناها تماما لغناه وكمالا له . وغناه أصلا بغناها . فمنه يصل الغنى إليها . ومنها يصل الفقر والضرر والعنت إليه . إذا عرف هذا ، فالشيخ جعل غناها بثلاثة أشياء : الأول « استقامتها على المرغوب » وهو الحق تعالى . واستقامتها عليه : استدامة طلبه . وقطع المنازل بالسير إليه . الثاني « سلامتها من الحظوظ » وهي تعلقاتها الظاهرة والباطنة بما سوى اللّه . الثالث « براءتها من المراءاة » وهي إرادة غير اللّه بشيء من أعمالها وأقوالها . فمراءاتها دليل على شدة فقرها . وتعلقها بالحظوظ من فقرها أيضا . وعدم استقامتها على مطلوبها الحق أيضا : من فقرها . وذلك يدل على أنها غير واجدة للّه .